محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

278

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وأنت قد عرفت أنّ الميزان مشتمل على كفّتي النفي والإثبات ، وأنّ ما هو مستحقّ النفي كثير ، وكلّه ليس بشيء ، وذلك قول الزعيم بما يقول : « فلئن أمر الباطل فلقديما فعل » وأنّ ما هو مستحقّ الإثبات واحد وهو مسمّى الشيء . ثمّ عرفت أنّ الحقّ له كونان ووجودان وحكمان ، وأنّ الباطل له كون واحد ووجود واحد وحكم واحد ؛ فنازع الحقّ هاهنا في الوحدة ؛ إذ خصّ الوحدة بذاته وخصّ الكثرة بذات الحقّ ، ونازعه هناك حيث خصّ القوّة بذاته للكثرة والضعف بذات الحقّ للقلّة ، وكلّ ما يثبته للحقّ من الوحدة والكثرة والقوّة والضعف فهو يشابهه فيه ( 120 ب ) ويماثله ؛ فكما أنّ الحقّ له وجود مطلقا عامّا كذلك الباطل له وجود مطلق عامّ ؛ وكما قام الحقّ بالمحقّ كذلك قام الباطل بالمبطل ، « حقّ وباطل ولكلّ أهل . » فاعرض هذا التضادّ والتشابه في التضادّ على الملائكة والشياطين أو على الملك المطيع الأوّل وعلى الشيطان الفاسق الأوّل . إن أخذت في ترتيب الموجودات ووصلت إلى أوّل ما خلق اللّه تعالى وهو العقل ، فاعرف أنّ أوّل ما يظهر في مقابلته بالتضادّ ويشابهه في الوجود الجهل ، وهو إبليسه وشيطانه ؛ فيكون للعقل إقبال وإدبار بالأمر فوقه : « قال له أقبل ، فأقبل ثمّ قال له أدبر ، فأدبر » 502 فشابهه الجهل في الكون الأوّل وهو الإقبال بحكم المشابهة لا بحكم الأمر ، وباينه في الكون الثاني وهو الإدبار . ثمّ اعرض هذا المعنى على الأشخاص عند ظهور نائب الأمر وخليفة الحكم وهو آدم - عليه السلام - فالملائكة الذين هم نتائج العقل المفطورون من نور العقل سجدوا للّه تعالى بفطرتهم وبالأمر ؛ « 1 » والشيطان الذي هو من نتائج الجهل المجبول من ظلمته سجد كذلك بالمشابهة لا بالأمر والفطرة . ثمّ لمّا قال تعالى : اسْجُدُوا لِآدَمَ وذلك كما قال للعقل الأوّل أدبر فأدبر ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * على منهاج والدهم العقل الأوّل ؛ إذ كان السجود الأوّل لهم بالفطرة الخالصة والأمر المحض ؛ فسجدوا أيضا بالفطرة الثانية والأمر ، حتّى تحقّق لهم الكونان : كون الإقبال وكون الإدبار ؛ وأبى واستكبر من كان من الكافرين الذين هم نتائج

--> ( 1 ) . س : « سجدوا للّه تعالى مدّة فطرتهم بفطرتهم الأمر » والظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه بدليل ما يأتي بعده .